الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

192

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وأقوى من كيدهم : أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون ( 1 ) . والآية الآنفة يطابق تفسيرها تفسير الآية ( 54 ) من سورة آل عمران التي تقول : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين . واحتمل جماعة من المفسرين أن المراد من الآية محل البحث هو : " ان مؤامراتهم ستعود عليهم أخيرا وتكون وبالا عليهم . . " وهذا المعنى يشبه ما ورد في الآية ( 43 ) من سورة فاطر : ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله . والجمع بين التفسيرين الآنفين ممكن ولا مانع منه . ويمكن أن يكون لهذه الآية ارتباط آخر بالآية المتقدمة ، وهو أن أعداء الإسلام كانوا يقولون : ننتظر موت محمد . فالقرآن يردهم بالقول بأنهم ليسوا خارجين عن واحد من الأمرين التاليين . . أما أنهم يدعون بأن محمدا يموت قبل موتهم حتف أنفه . فلازم هذا الادعاء أنهم يعلمون الغيب ، وأما أن مرادهم أنه سيمضي بمؤامراتهم فالله أشد مكرا ويرد كيدهم إليهم ، فهم المكيدون ! وإذا كانوا يتصورون أن في اجتماعهم في دار الندوة ورشق النبي بالتهم كالكهانة والجنون والشعر أنهم سينتصرون على النبي فهم في منتهى العمى والحمق ، لأن قدرة الله فوق كل قدرة ، وقد ضمن لنبيه السلامة والنجاة حتى يبلغ دعوته العالمية . وأخيرا فإن آخر ما يثيره القرآن من أسئلة في هذا الصدد قوله : أم لهم إله غير الله ؟ ! ويضيف - منزها - سبحان الله عما يشركون . فعلى هذا لا أحد يستطيع أن يمنعهم من الله ويحميهم ، وهكذا فإن القرآن يستدرجهم ويضعهم أمام استجواب عجيب وأسئلة متصلة تؤلف سلسلة متكاملة مؤلفة من أحد عشر سؤالا ! ويقهقرهم مرحلة بعد مرحلة إلى الوراء ! ! ويضطرهم

--> 1 - الكيد على وزن صيد نوع من الحيلة وقد يستعمل في التحيل إلى سبيل الخير ، إلا أنه غالبا ما يستعمل في الشر ، وتعني هذه الكلمة المكر والسعي أو الجد كما تعني الحرب أحيانا . .